الحريات الفردية والإسلام.

 قال الله عزوجل: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [سورة النور، الآية 19]

قال الله عز وجل: "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" [سورة الإسراء، الآية 30]


الكثير من الناس تستعمل آيات وسور من خلال عملية إسقاطية، دون الوقوف على الأقل، على التفاسير وأسباب النزول للآيات الشرعية، وهم يشرعون في عملية "توظيف النص" بشكل لا مفكر فيه غرضهم من ذلك تقديم دليل شرعي لإقناع طرف معين بشيء ما، ونحن من خلال هذه التدوينة سنسلك نفس مسلك أصحابنا، لكن سنقف عند بعض الأمور التفصيلية في الآيات التي تم استعمالها في سياق ليس سياقها ولسبب ليس سببها.
بداية يجب التمييز بين النص القرآني، والتفاسير المرتبطة به، فهذه الأخيرة ليست معلولة لعلة النص القرآني، وإنما اجتهد أصحابها لمحاولة الإحاطة بغية تفسير القرآن، لذلك نجدهم استعملوا آليات تنتمي لشرطيتهم التاريخية والثقافية ومناهج لذات السبب، ولهذا ينبغي من الناحية المعرفية الموضوعية، وحفاظا على البعد الإلهي للنص الديني أن يبقى متميزا ببعده الرمزي والمجازي لا يستطيع الإنسان أن يبلغها بتاتا، لأن قدرة الله مطلقة "القادر، العليم" وقدرة الإنسان محدودة "قادر، عليم" فألف واللام، هي اختراق للجنس، ومنه تعبيرا على كمال الله ونقصان الإنسان "المؤمن الذي يجب عليه أن يجتهد لمحاولة بلوغ الكمال الإلهي المطلق، بمعنى أن يدخل في صراع دائم مع النص يحاول من خلاله الاقتراب منه، وهذا ما لا يستطيعه.
ثانيا وللعودة إلى آية النور، فسياق هذه الآية مرتبط بحادثة الإفك، التي تم فيها اتهام أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، من قبل عبد الله بن أبي سلول، والتي سيبرأها الله فيما بعد من كونها لم تقم بفعل مخل. ولهذا نجد الله عزو جل حريص على مسألة عدم إشاعة مثل هذه الأمور المرتبطة بذاتيات الأفراد حصرا، لأن الإشاعة بمثل هكذا خبر فيه امتهان لكرامة الإنسان، خصوصا المرأة التي هي في علاقة غير متكافئة مع الرجل من حيث الحضور، ولذلك تكون مظلومة بشكل أكبر، وللوقوف على "إشاعة الفاحشة" من الناحية اللغوية كما تحدده التفاسير الكلاسيكية، حيث المعنى يأخذ بخصوص الحرف وليس بخصوص السبب، فإنها تحيل على أنه من غير المقبول أن يتم "إعلان القول والفعل المرتبط بالجنس" لما يترتب عليه من مشاكل، ولهذا يتوعد الله من يشيع الفاحشة أي من يربطها بالعلنية، بعذاب في الدنيا والآخرة، ولعل عذاب الدنيا الممكن فهمه هنا، يرتبط بمدى القواعد التي وضعها الإسلام، من حيث القذف بالزنى! وهي حد القذف، بالإضافة إلى السمعة السيئة التي يجرها القاذف على نفسه، ومنه يمكن فهم أن الدين بدوره جعل الجنس حميمي، يعاقب من ينتهكه.
وربطا بالموضوع فما هي العلاقة بين ما تقوله آية النور، وما نعيشه نحن؟
أولا تم انتهاك خصوصية فرد راشد في وضعية حميمية، وهذا إشاعة للفاحشة، بهذا المعنى يمكن فهمها، وليس بالمعنى البذيء الذي يتم التسويق له، ثانيا الإسلام حريص على الحفاظ على الحميمية في العلاقة بين طرفين "راشدين" والنهي على انتهاكها، بل ومعاقبة من ينتهك هذه العلاقة، ولهذا فمن الناحية الموضوعية فالدين الإسلامي يؤمن الحرية الفردية ما دام صاحبها واع ويتحمل مسؤوليته باعتباره راشدا.
إن الله في آية الإسراء ينهى عن الزنا، والنهي ليس هو التحريم، فالنهي يدخل في الكراهة، وصاحبه آثم، والتحريم يدخل في المنع المطلق، ولذلك قد نجد الله يحرم في آيات بشكل صريح، وينهى عن أشياء بشكل صريح، مثل "حرمت عليكم أمهاتكم؛ حرمت عليكم الميتة؛ حرم عليكم القتال في الأشهر الحرم...؛ لذلك نجد الله يضيق دائرة التحريم بالمقارنة مع دائرة النهي، نظرا لاختلافهما في الدرجة، والنهي عن الزنا، ربطه الدين بالقدرة على الزواج، "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، والركن الأساسي في الزواج هو القبول. وإذا فهمنا الزواج بروح اليوم، من حيث القبول بين طرفين راشدين يتحملان مسؤولية تصرفتهما، فالعلاقات الرضائية لا تدخل بتاتا في الزنا، لأن هذه الأخيرة مرتبطة بالعمالة في الجنس، وهذا ليس موضوعنا، ولهذا وربطا بالفقرة الثانية من التدوينة التي تميز بين النص الديني والتفاسير الدينية، ينبغي على فقهاء اليوم أن يكونوا متوافقين مع روح العصر، من حيث جعل العلاقات الرضائية المرتبطة بالخصوصية والقبول بين طرفين راشدين مسألة عادية جدا، مع تحمل هؤلاء مسؤولية تصرفاتهما.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محور الشخص بوصفه قيمة - المواقف الفلسفية

السلفية والمغرب؛ رؤية في المصادر والتقاطعات

كتاب المغاربة والحداثة للأستاذ محمد الشيخ